القرطبي

377

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

فصل الإيمان بالدجال وخروجه حقّ ، وهذا مذهب أهل السنة وعامة أهل الفقه والحديث ، خلافا لمن أنكر أمره من الخوارج وبعض المعتزلة ، ووافقنا على إثباته بعض الجهمية وغيرهم ، لكن زعموا أن ما عنده مخارق وحيل ، قالوا : لأنها لو كانت أمورا صحيحة لكان ذلك إلباسا للكاذب بالصادق ، وحينئذ لا يكون فرق بين النبي والمتنبي ، وهذا هذيان لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه ؛ فإن هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدّعي النبوة ، وليس كذلك فإنه إنما ادعى الإلهية ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « إن اللّه ليس بأعور » تنبيها للعقول على فقره وحدثه ونقصه ، وإن كان عظيما في خلقه ، ثم قال : « مكتوب بين عينيه كافر ، يقرؤه كل مؤمن ومؤمنة كاتب أو غير كاتب » وهذا الأمر مشاهد للحس يشهد بكذبه وكفره . وقد تأول بعض الناس « مكتوب بين عينيه كافر » فقال : معنى ذلك ما ثبت من سمات حدثه ، وشواهد عجزه ، وظهور نقصه ، قال : ولو كان على ظاهره وحقيقته لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر . وهذا عدول وتحريف عن حقيقة الحديث من غير موجب لذلك ، وما ذكره من لزوم المساواة بين المؤمن والكافر في قراءة ذلك لا يلزم ، لأن اللّه تعالى يمنع الكافر من إدراكه ليغتر باعتقاده التجسيم حتى يوردهم بذلك نار الجحيم . فالدجال فتنة ومحنة من نحو فتنة أهل المحشر بالصورة الهائلة التي تأتيهم ، فيقول لهم : أنا ربكم . فيقول المؤمنون : نعوذ باللّه منك . حسب ما تقدم ، لا سيما وذلك الزمان قد انخرقت فيه عوائد فليكن هذا منها ، وقد نص على هذا بقوله : « يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب » ، وقراءة غير الكاتب خارقة للعادة . وأما الكافر فمصروف عن ذلك بغفلته وجهله وكما انصرف عن إدراك نقص عوره وشواهد عجزه ، كذلك يصرف عن قراءة سطور كفره ورمزه . وأما الفرق بين النبي والمتنبي ، فالمعجزة لا تظهر على يد المتنبي لأنه لزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب وهو محال . وقوله : « إن ما يأتي به الدجال حيل ومخاريق » ؛ فقول معزول عن الحقائق ، لأن ما أخبر به النبي صلى اللّه عليه وسلم من تلك الأمور حقائق والعقل لا يحيل شيئا منها ، فوجب إبقاؤها على حقائقها ، وسيأتي تفصيلها بعون اللّه تعالى . * * *